الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

38

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

استفادة المعنى من هذا النظم البديع مذاهب كثيرة وما سلكناه أوضح منها . وانتصب دَرَجاتٍ ، على أنه ظرف مكان يتعلق ب يَرْفَعِ أي : يرفع اللّه الذين آمنوا رفعا كائنا في درجات . ويجوز أن يكون نائبا عن المفعول المطلق ل يَرْفَعِ لأنها درجات من الرفع ، أي مرافع . والدرجات مستعارة للكرامة فإن الرفع في الآية رفعا مجازيا ، وهو التفضيل والكرامة وجيء للاستعارة بترشيحها بكون الرفع درجات . وهذا الترشيح هو أيضا استعارة مثل الترشيح في قوله تعالى : يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ [ الرعد : 25 ] وهذا أحسن الترشيح . وقد تقدم نظيره في قوله تعالى في سورة الأنعام [ 83 ] نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ . وقال عبد اللّه بن مسعود وجماعة من أهل التفسير : إن قوله : وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ كلام مستأنف وتم الكلام عند قوله : مِنْكُمْ قال ابن عطية : ونصب بفعل مضمر ولعله يعني : نصب دَرَجاتٍ بفعل هو الخبر عن المبتدأ ، والتقدير : جعلهم . وجملة وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ تذييل ، أي اللّه عليم بأعمالكم ومختلف نياتكم من الامتثال كقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم « لا يكلم أحد في سبيل اللّه . واللّه أعلم بمن يكلم في سبيله » الحديث . [ 12 ] [ سورة المجادلة ( 58 ) : آية 12 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 12 ) استئناف ابتدائي عاد به إلى ذكر بعض أحوال النجوى وهو من أحوالها المحمودة . والمناسبة هي قوله تعالى : وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى [ المجادلة : 9 ] . فهذه الصدقة شرعها اللّه تعالى وجعل سببها مناجاة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، فذكرت عقب آي النجوى لاستيفاء أنواع النجوى من محمود ومذموم . وقد اختلف المتقدمون في سبب نزول هذه الآية ، وحكمة مشروعية صدقة المناجاة . فنقلت عن ابن عباس وقتادة وجابر بن زياد وزيد بن أسلم ومقاتل أقوال في سبب نزولها متخالفة ، ولا أحسبهم يريدون منها إلا حكاية أحوال للنجوى كانت شائعة ، فلما نزل حكم صدقة النجوى أقلّ الناس من النجوى . وكانت عبارات الأقدمين